جَوَّزُوا التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ قَاسُوا ذَلِكَ عَلَى إبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ:
كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ لِلْمُضْطَرِّ
بتناول المحرمات فإنه إذا أكلها سدت رمقه وأزالت ضرورته وأما الخبائث بل وغيرها فلا
يتيقن حصول الشقاء بها فما أكثر من يتداوى ولا يشفى ولهذا أباحوا دفع الغصة بالخمر
لحصول المقصود بها وتعينها له
ضرورته إلا الأكل من هذه الأعيان وأما التداوي فلا يتعين بتناول هذا الخبيث طريقا لشفائه
فإن الأدوية أنواع كثيرة وقد يحصل الشفاء بغير الأدوية كالدعاء والرقية وهو أعظم نوعي
الدواء حتى قال بقراط : نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل كنسبة طب العجائز إلى طبنا
الطبيعية ونحو ذلك
عليه في ظاهر مذهب الأئمة وغيرهم كما قال مسروق : من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى
مات دخل النار وأما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأئمة وإنما أوجبه طائفة قليلة
كما قال بعض أصحاب الشافعي وأحمد بل قد تنازع العلماء : أيما أفضل : التداوي ؟ أم الصبر
للحديث الصحيح حديث ابن عباس عن الجارية التي كانت تصرع وسألت النبي صلى الله عليه
و سلم أن يدعو لها فقال [ إن أحببت أن تصبري ولك الجنة وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك
] فقالت : بل أصبر ولكني انكشف فادع الله لي أن لا أنكشف فدعا لها أن لا تتكشف ولأن
خلقا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون بل فيهم من اختار المرض كأبي بن كعب وأبي
ذر ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي
الآخر فإن ما كان واجبا قد يباح فيه مالا يباح في غير الواجب لكون مصلحة أداء الواجب
تغمر مفسدة المحرم والشارع يعتبر المفاسد والمصالح فإذا اجتمعا قدم المصلحة الراجحة
على المفسدة المرجوحة ولهذا أباح في الجهاد الواجب ما لم يبحه في غيره حتى أباح رمي
العدو بالمنجنيق وإن أفضى ذلك إلى قتل النساء والصبيان وتعمد ذلك يحرم ونظائر ذلك كثيرة
في الشريعة ولله أعلم “
تندفع بها الضرورة يقيناً
إلى تحكيم الشريعة ، والدعوة والوصول إلى حكم الله عز وجل له وسائل