مقال التزكية

ظاهرة اختزال الدين

مقال يناقش ظاهرة اقتصار بعض الشباب والمشتغلين بالدعوة على باب واحد من أبواب الدين كالرد على المخالفين والمناظرات، وإهمالهم تعلم أصول العقيدة والفقه وإصلاح أنفسهم، مع أمثلة تاريخية من أحوال الكرامية والمعتزلة وغيرهم.

نُشر في 21 يوليو 2026 مدة القراءة: 9 دقائق

[ مثبت ] : ظاهرة اختزال الدين …

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :

فإن مواقع التواصل الاجتماعي على ما لها من السيئات تطلعك على ما يسوءك ابتداءً ولكن عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ، فقد ييسر لك نقد بعض الأمور التي تراها ، ولظروف اكتنفتني تركت كتابة المقالات التأصيلية المطولة منذ زمن ، غير أنني اليوم قد من الله عز وجل علي بشيء من الهمة لكتابة بعض الكلمات التي أرجو من الله عز وجل أن ينفع بها ، إذ أنني لا أجني شيئاً من كتابتها وأزعم أنني أريد الخير للناس

وليستحضر الكاتب والقاريء أننا من تراب وإلى التراب نعود ، وأننا محاسبون على كل كلمة نقولها ، وأهم من الذي نقوله الذي نكتبه فإن الكلمة تقال ويسمعها عدد محدود ثم تنسى في الغالب بخلاف المكتوب وخصوصاً في هذه الأيام فإنها تبقى طويلاً وأرجو من الله ألا يكلني إلى نفسي طرفة عين فأوذيها بكتابة ما يغضبه وأن يلهمني الرشد والصواب

وداعي الكتابة اليوم هو التنبيه على حبالة من حبالات إبليس وهي أن يكون المرء على استقامة في العقيدة في الجملة ، ولكن عنده أخطاء في عدد من المسائل ربما المتعلق منها بالحكم على المخالف وربما المتعلق منها بالتعامل معه وربما بعض مسائل الصفات وربما غيرها وربما هي مجتمعة مع خلل في الفقه والحديث وغيرها من الأبواب

ولو استمر في قراءة كتب السلف وطلب العلم لعلم ما عنده من الخلل وقام بإصلاحه ، ولكنه يشتغل بالدفاع عن عقيدته في الأبواب التي هو مصيب فيها وربما المناظرة عليها والإفراط في ذلك حتى يأتيه الأجل ولم يصلح ما عنده من خلل

ويفتنه ما يراه من صواب نفسه وربما اهتدى على يديه بعض الناس فصار ذلك أدعى لفتنته

فهذا الكرامي إسحاق بن محمش أسلم على يديه من أهل الكتاب والمجوس خمسة آلاف نفساً ومع ذلك كان يضع الحديث لأن الكرامية يجوزون الكذب من أجل الترغيب والترهيب

وكان يعتقد أن جسم ويقول الإيمان باللسان ، فأسلم على يديه هذا العدد وهو ضائع في العقيدة فتأمل هذا المثال

ويقابله ابن الجوزي الذي كان مع حنبليته على عقيدة الجهمية في باب الصفات وأسلم على يديه آلاف اليهود والنصارى

فهذان رجلان يحملان عقيدتان متقابلتان وكل منهما يكفر الآخر ، ومع ذلك كان لكل منهما جهد دعوي عظيم في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام في الجملة

وليعلم أن إسلام الجهمية ليس إسلاماً وكذا إسلام الكرامية ، غير أن المرء إذا دخل في الدين على عقيدة فاسدة فإن ذلك خيرٌ من بقائه على عقيدته الفاسدة الكفرية الأولى لأن ذلك يسهل دخوله في الإسلام الصحيح

وكم واحد حاله يشبه حال هذين اللذين اشتغلا بإصلاح الناس وألهاهما ذلك عن إدراك الخلل في نفسيهما

وهذا يشبه من وجه حال بعض القاديانية الذين صاروا متمرسين بمناظرة النصارى بل لا يدعون المسلمين إلا عن طريق مناظرة النصارى

وقد اعتبر حسن البنا في مقال له في مجلة المنار أن هذا من أخبث وسائلهم لنشر دعوتهم

وهذا ابن الراوندي لما صنف كتاباً أسماه ( الدامغ ) يعارض فيه القرآن ، استسخفه أهل الحديث ولم يعبأوا به ولكن أبا هاشم الجبائي المعتزلي انبرى له وكتب عليه رداً

وكذلك تجد كثيراً من ردود المنتسبين للإسلام على النصارى يكتبها أشاعرة

وهذا له تفسيران

أحدهما : أنه القوم لما كانوا في شك عظيم من اعتقادهم شغلوا أنفسهم بالرد على من هم أبعد عنهم عن الحق تسكيناً لنفوسهم وتثبيتاً لها

ثانيهما : أنهم لما رأوا أن الدعوة المباشرة لأهل السنة لا تجدي لجأوا إلى مثل هذا الطريق لدعوتهم فإن نفوس المسلمين تتوق للرد على المشركين

ولهذا تنبه ابن تيمية لهذا الأمر فسابقهم للرد على الرافضة وبين غلطهم في ردهم على الرافضة في باب القدر ، وكتب على النصارى رداً وكتب في النبوات كتابة بين فيها غلطهم في طريقة إثبات النبوة ، وناقض المناطقة وسفههم هم والمتكلمون جميعاً

وكثير من التبليغيين يثبته على منهجه أنه دعا كثيرين للإسلام واستجابوا ولا يتنبه لما في منهجه من الإحداث ، وأنه لو سار على المنهج السليم لكان إنجازه أعظم ولكان عمله سالماً من كل شائبة والسلامة لا يعدلها

ومن أصلح الناس بإفساد نفسه كان كالشمعة التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين

ومن يسلم على يديك على منهج منحرف تؤجر فيه وتؤزر أيضاً ، فتؤجر على تعليمه للإسلام إن كنت موحداً وتؤزر على تعليمه البدع فتأمل هذا جيداً

وكذلك الشاب الذي يهتدي على يد داعية إلى التمسك ببعض الأوامر الشرعية فإن الداعية الذي لقنه قصصاً مكذوبة يؤجر فيه ويؤزر ، وربما كان الوزر أعظم

والهداية لها أسباب _ وليست محصورة بك _ فربما أنت زاحمت سنياً في دعوة هذا الشخص للإسلام أو الاستقامة ، فتكون كطبيب أنقذ جسداً وأعطب عضواً ، ولم يخلِ بين المريض وبين الطبيب الحاذق الذي لو ترك له لأنقذ جسده ولم يعطب أي عضو

وقد كان يقال لنا قديماً ( فلان له فضل عليكم ) لأنه أعطانا بعض الدروس ثم لما تأملت وجدت أنه كان يدرسنا ويخلط حقاً وصواباً ويحول بيننا وبين من هو خير منه وربما نفر من السلف ، الذين لا سلامة من الهوى إلا باتباعهم أما الأحياء فربما خضع لضغط نفسي من هنا أو هناك فدخل عليه هوى خفي فأبعده عن الحق

قال ابن المبارك في الزهد 66 – أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: رَجُلٌ قَلِيلُ الْعَمَلِ قَلِيلُ الذُّنُوبِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ، أَوْ رَجُلٌ كَثِيرُ الْعَمَلِ كَثِيرُ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: «لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ» . قَالَ ابْنُ صَاعِدٍ: «يَعْنِي شَيْئًا»

وهذه الحال التي أتكلم عنها قد أسرت الكثير من الشباب المتحمس لدينه فتجد هذا مشتغلاً بالرد على الملاحدة ومناظرتهم وإدراك تفاصيل شبههم والرد عليها ، وذاك مشتغل بالرد على الرافضة والآخر بالرد على النصارى وذاك بالإباضية

وغيرهم شغله الرد على الإخوان والتبليغ

وافتتحت لذلك منتديات حوارية ( أعني الرد على الملاحدة والنصارى والرافضة والإباضية ومنكري السنة ) وتجد الشاب ينفق وقتاً عظيماً في الرد عليهم ويصير متخصصاً في ذلك وربما أسلم على يديه عدد ، ولكنه بعد هذا كله لا يعرف بعض كبريات مسائل العقيدة ، بل ربما لا يعرف بعض السنن في الصلاة بل أبعد من ذلك يجعل إجماعات سلفية في مسائل فقهية في باب الطهارة

ولا أبالغ ولكن أطالبك بأن تأخذ جولة في مدونتي ( جولة جادة )

إلا فاسأل أي شاب ممن أشغل نفسه بالأمور السابقة الأسئلة التالية

هل النور من أسماء الله الحسنى وما الدليل على ذلك ؟

وأعطني خمس معانِ لاسم ( الصمد ) الوارد في سورة الإخلاص ؟

وما معنى قولنا في الصلاة ( التحيات لله ) ؟

وما هي أقوال السلف في اسم الله الأعظم وما وجه كل واحد منها ؟

وماذا قال السلف في تفسير ( طه ) و ( ن) و ( ق ) ؟

اطلب منه الإجابة على هذه الأسئلة دون الاستعانة بجوجل

معظمها متعلق بركن الإيمان الأول ( الإيمان بالله ) ، ولو سألت المتخصص بالرد على النصارى عن دين النصارى في بعض المسائل الكبار التي يعرفها لأجاب على البديهة ، وكذا مناظر الرافضة وكذا مناظر الملاحدة

بل كثير منهم يعرف أسماء الملاحدة وأسماء كتبهم ، أو يعرف أسفار الكتاب المقدس أو يعرف كتب الرافضة وعلماء الرافضة

ولم يقرأ في حياته الشريعة للآجري والسنة لعبد الله والسنة للخلال والإبانة لابن بطة وذم الكلام للهروي

ولو ذكرت له بعض مشاهير التابعين ( في زمن السلف ) كأبي إدريس الخولاني وابن محيريز أبي قلابة وعطاء بن أبي رباح لما عرفهم

بل كثير منهم لم يقرأ الصحيحين مجرد قراءة

وهذه ليست حال الكل ولكنها حال كثيرين ، وباختصار هو يعرف الدين أو المذهب الذي ينقده أكثر من معرفته بالدين الذي يعتنقه وربما أسلم على يديه من يصير أعلم منه لاحقاً بكثير

وكونك تدعو للدين لا يعني أن تنسى نفسك وتصير كمن يوصل الناس إلى باب القصر ولا يدخله أو يقف في أوله

ولست أدعو لعدم الرد على الملحدين أو النصارى أو اليهود أو الرافضة

وإنما أدعو من أغرق في هذا الأمر حتى أنساه تعلم أمر دينه كما ينبغي ، أن يتوقف قليلاً ويتنبه لإصلاح نفسه ويقرأ التفاسير السلفية وكتب السلف في جميع أبواب العلم ويعرض نفسه عليها ويصلحها لئلا يصير ممن يجمع بين الأجر والإثم في دعوته أو جهاده

وليعلم أنه كلما تعلم أكثر كلما كانت حجته أفلج وتأثيره أعظم ، هذا مع الإخلاص ( وأمر المناظرات لبحثه محل آخر وليراجع كلام الآجري في الشريعة وما ذكره الخلال في السنة وما قاله ابن تيمية في الجواب الصحيح )

وسبب كلامي هذا أنني رأيت عقولاً نيرة ونفوساً حريصة على الدين ولكنها تجهل كثيراً منه بفعل الاشتغال الشديد بالمناظرات أو كتابة الردود على هؤلاء القوم

وكثير ممن يدخل في هذا الباب ويبالغ فيه يكون لذلك أثر عكسي على الولاء والبراء عنده

فمن اعتاد سماع كلام الملحدين الغث ربما لانت نفسه ليناً ليس شرعياً تجاه النصارى واليهود خصوصاً إذا كان منهم من يشتغل بالرد على الملحدين

وعدد من المشتغلين بالرد على الرافضة تراه يميع الخلاف مع الأشاعرة ومن هم دون الأشاعرة

وهكذا

وظاهرة اختزال الدين أوسع من هذا ، فمن الناس من يكون همه الجهاد ، ومنهم من يكون همه مسألة العذر بالجهل ومنهم من يكون همه مسألة السمع والطاعة

وسواءً كان مصيباً أو مخطئاً في هذه المسائل تجده يعقد الولاء والبراء عليها دون غيرها من المسائل

فلو جاء شخص وخالف الإجماع في عشر مسائل فقهية وأخطأ ببعض مسائل العقيدة ، ولكنه وافقه في المسألة الكبرى عنده لوجدته يثني عليه ويعتذر له وإن كان مخالفاً له فيما أخطأ فيه

ولو جاء شخص يوافق كلام السلف في المسائل السابقة كلها وينتصر لها ولكنه يخالفه في مسألته الأصلية فله الشتم والتحقير

وإلا ما الذي يجعل سيد قطب عند محبيه معظماً جداً ، ومنتقدوه محتقرون في غالبهم

بل رجلان في مستوى علمي واحد هذا ( علامة ) وهذا ( جاهل ) بحسب الموافقة في المسألة الأصلية بل ربما كان ( الجاهل ) أعلم بكثير

وهنا يحل بعضهم حبوته ويقول ( ليس العلم بكثرة الرواية كما قال البربهاري )

فأقول : فلماذا تصف الجهمية التائهين في مسائل الاعتقاد على مذهب الأشاعرة ب( الأئمة ) و ( الحفاظ )

هذا ما جادت به النفس نصحاً للإسلام والمسلمين وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء

وبعضهم شخصه أو شخص شيخه هو المعيار فتجده يلبس ثوب المنصف مع بعض الجهمية ويقول ( خدم الإسلام ) ولكن من يتكلم في شيخه أو شخصه لا يقبل منه صرف ولا عدل

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

هل تريد الرجوع إلى هذه المادة؟ احفظها في خزانتك داخل هذا الجهاز.