العلم على ذلك بأنهم مرتدين وأنهم من أهل النار .
، ووجه الاستدلال بذلك أن هؤلاء كانوا أهل جاهلية وأنهم جهال ، ومع ذلك الله عز وجل
قد حكم بكفرهم كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حكم أيضا بكفرهم ، وأجمع على ذلك
أهل العلم .
أهل الفترة فهذا القول قول باطل وهو قول محدث ، وقد نقل الإجماع على خلافه .
أو بعض شيوخ السيوطي والسيوطي ومن أتى بعده هم الذين قالوا بهذا القول ، ولا شك أن
هذا القول باطل .
أن السيوطي قال : إن الله عز وجل قد أحيى والدي الرسول فآمنوا به . مع أن الرسول صلى
الله عليه وسلم أخبر أنهم من أهل النار .
الله عز وجل بكفرهم وكانوا أهل جاهلية ، وكانوا مؤمنين بالله عز وجل ربا ، إلا أنهم
كانوا يشركون بالألوهية ،وذلك لأن الحجة قد قامت عليهم وهم في صلب أبيهم آدم كما قال
تعالى : ( وإذ أخذ ربكمن بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا
بلى شهدنا ) .
للمشرك : ( أردتمنك أهون من ذلك ، أردت منك ألا تشرك بي شيئا وأنت في صلب أبيك آدم
) فالله عز وجل خلق عباده حنفاء أي : مؤمنين به سبحانه وتعالى ، فمن أشرك به الشرك
الأكبر فهذا الحجة قائمة عليه وهو في صلب أبيه آدم فهو من أهل النار عافانا الله وإياكم
من ذلك , فهذا هو الحكم الأول”
إليهم رسول وإن كانوا من أهل الفترة المعذورين ، وهذا موافق لقول المعتزلة في أن الشرك قبيحٌ عقلاً فلا حاجة لإرسال الرسل
لاستحقاق الناس العذاب ، وأنهم سيعذبون وإن لم يرسل لهم الرسل ، وهذا القول يخالف ظاهر
القرآن
المأخوذ عليهم وهم في ظهر آدم ، وإن لم يروا الرسول أو يسمعوه أو يبلغهم عنه الخبر
الثابت
: أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر ، وأشهدهم على أنفسهم بلسان
المقال : { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى } ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق
الذي نسيه الكل ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده
.
.
لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض ، وما فيهما من غرائب صنع الله . الدالة
على أنه الرب المعبود وحده ، وما ركز فيهم من القطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به
الحجة ، ولو لم يأتيهم نذير والآيات القرآنية مصرحة بكثرة ، بأن الله تعالى لا يعذب
أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل ، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة
، وما ركز من الفطرة ، فمن ذلك قوله تعالى :{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } فإنه قال فيها : حتى نبعث رسولاً ، ولم يقل حتى نخلق عقولاً ، وننصب
أدلة ، ونركز فطرة .
الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } الآية ، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس ، وينقطع به عذرهم
: هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة .
بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ
آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } ، وأشار لها في « القصص
» بقوله : { ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ
رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ
المؤمنين } ، ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار
الرسل ، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى : { كُلَّمَا أُلْقِيَ
فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بلى قَدْ
جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ
إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ } وقوله تعالى : { وَسِيقَ الذين كفروا
إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ
لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا قَالُواْ بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين
} ومعلوم أن لفظة كلما في قوله : { كُلَّمَا أُلْقِيَ
فِيهَا فَوْجٌ } صيغة عموم ، وأن لفظة الذين في قوله : { وَسِيقَ الذين كفروا } صيغة عموم أيضاً ،
لأن الموصول يعم كلما تشمله صلته “
لا تلازم بين الأمرين وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل وأن الفعل نفسه حسن وقبيح ونحن
نبين دلالته على الأمرين:
مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وفي قوله كلما ألقي فيها فوج
سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من
شيء فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل بل للنذر وبذلك دخلوا النار وقال تعالى يا معشر
الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليك آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا
على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وفي الزمر ألم
يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ثم قال في الأنعام
بعدها ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون وعلى أحد القولين وهو أن يكون
المعنى لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل فتكون الآية دالة على الأصلين أن أفعالهم
وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال وتكون هذه الآية
في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم
فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فهذا يدل على أن
ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم ولولا قبحه لم يكن سببا لكن امتنع إصابة المصيبة
لانتفاء شرطها وهو عدم مجيء الرسول إليهم فمذ جاء الرسول انعقد السبب ووجد الشرط فأصابهم
سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر “
نبعث رسولا } حجة على الطائفتين وإن كان نفاة التحسين والتقبيح العقلي يحتجون بهذه
الآية على منازعيهم فهي حجة عليهم أيضا فإنهم يجوزون على الله أن يعذب من لا ذنب له
ومن لم يأته رسول ويجوزون تعذيب الأطفال والمجانين الذي لم يأتهم رسول بل يقولون :
إن عذابهم واقع
من غير إرسال رسول
ومذموم ودل على أنه لا يعذب أحدا بعد إرسال رسول والله سبحانه أعلم”
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، أَنَّ نَبِيَّ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ
مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ
وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ
وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ
جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ
فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ،
فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا “
(2/ 179- 181) وتضعيفه يسلم من جهة السند غير أنه زعم أنه متنه مستنكر ! ، فالآخرة
دار حساب لا دار عمل
, عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
جَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهَ , وَالْأَصَمَّ , وَالْأَبْكَمَ
, وَالشِّيُوخَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا الْإِسْلَامَ , ثُمَّ يُرْسِلُ رَسُولًا
إِلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ.
كَيْفَ وَلَمْ يَأْتِنَا رَسُولٌ؟ , قَالَ: وَايْمِ اللَّهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ
بَرْدًا وَسَلَامًا , ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيُطِيعُهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ
يُطِيعَهُ
فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}
على آدم ، ومع ذلك كان لهم الحجة بعدم ادراك الرسل ، وعلى مذهب السعد والمعتزلة لا
حجة لهم
ويبقى هنا أمر وهو أن ابن القيم نقل الإجماع في طريق الهجرتين على أهل الفترة لا يحكم بإسلامهم بل هم مشركون في الدنيا
ولا يلزم من إعذارهم في الآخرة إزالة اسم الشرك عنهم فكل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر هكذا نعامله في الدنيا وكل من عبد غير الله فهو مشرك ولا يكون المشرك مسلماً البتة
وإطلاق القول بأن المشركين لا يشهد لهم بالنار غلط عظيم فقد شهد الصديق على أهل الردة بالنار والبحث هنا في المعذورين من أهل الفترة